Profilo di Bent~ Freedom ForEver ~FotoBlogElenchiAltro ![]() | Guida |
|
12 agosto قصة،،، حديث الصمتحديث الصمت
لم يبقى أحد غيرهما بعد أن غادر الجميع وتلاشى الضجيج وعاد السكون مرة أخرى يجثم فوق المكان مثل طائر حزين . جلس إلى جانبها ، أراد أن يجاذبها حديثاً ما ، لكنّه لزم الصمت ، ربمّا فعل ذلك احتراماً لصمتها أو أنّه استعذب الصمت مثلها ، فقد يكون للصمت أحياناً حديث يصغي له العاشقون ، مدّ يده ، وراح يعبث بذرات التراب كأنّه يبحث عن شي ضاع منه منذ أمدٍ بعيد همس معاتباً : - أهكذا يفعل المحبّ ؟! .. هل من الانصاف أن تفعلي ذلك بي ؟ لاذت بالضمت كعادتها ، وحزّ في نفسه أنّه لم يسمع جواباً . يمكنكِ البقاء صامتة كما تشائين ، ولكنّي سأبقى أتكلم . سكت لحظة ، تمنى أن يسمع جواباً / ولكن دون جدوى ، كتب اسمها على التراب ، حاول أن تكون الخطوط أشبه بزهرة متفتحة ، لكن رغم براعته في الرسم بدت الخطوط ما تكون بقلب جريح . استأنف حديثه مغمغماً : - أتذكرين أفراحنا وأحلامنا ، وتلك الأماني العريضة؟ أم تراك قد نسيت كّل ذلك ؟ لا أريد جواباً ، إنّني ما أزال احترم صمتك.. لكني أتعّجب ، ألا يحقّ لي أن أتعّجب ؟ ... لقد كنت معي في كلّ خطوة.. وكنت ترسمين صورة المستقبل ، وكانت الدنيا لا تسع أحلامنا ، ربّما تقولين : إننا لم نتعرف على بعضنا إلا مدة وجيزة ... إنها أيّام فقط ، أو بضعة أسابيع ، أو عدة سنوات قليلة .. ولكنّها برغم كل ذلك كانت أياما جميلة وطويلة في عمر الحبّ الذي احتضن قلبينا كعشّ ضمّ عصفورين بلّلهما مطر الشتاء ، لقد شعرت بأنّني أعرفك منذ زمن طويل ، منذ أن جئت إلى الدنيا . لم يسمع جواباً سوى الصمت لكئيب ... ترقرقت الدموع في عينيه ، وأجال بصره محدقاً في المدى البعيد . كان الصمت ما يزال سّيد المكان ، ماخلا غراب كان ينعق فوّق شجرة أحرقها الخريف . أستأنف حديثه بصوت أشبه بنشيج الميازيب في مواسم المطر : - كيف حدث ذلك وبهذه السرعة ؟ .. لقد اتّفقنا على كلّ شيء ، وعندما سافرنا إلى شهر العسل ، كان حماس الشباب يملأ كلّ كيانك ووجودك ، وكأن حملك لهموم الإنسان في أعماقك قد حولك رغم شبابك إلى أمّ رؤوم وسع قلبها جميع البائسين المعذبين ، وكانت سفرتك من أجل ذلك ، ولكنّك طعنت أقرب النّاس إليك .. آه أيتها الغالية ، سأذكرك رغم غبار الأيام وتراب السنين ، وستبقى الذكريات تّدوي كأذان مساجدنا في سماء حياتي . لن أنسى يوم سافرنا معاَ وأنت بحلتّك البيضاء ،ولن أنسى دموعك وأنت تودعين أمّك ، لقد شعرت ساعتها بأن شيئاُ ما يشدك نحوها ، وكنت أضعف من أن تقفي بوجه هذا الحنين الذي يجذبك إليها ، ولن أنسى أيضاً يوم كنّا نتطلّع بإعجاب إلى آثار الأجداد بناة الأندلس ، وقلت حينها ما لن أنساه أبداً : إنني أحلم بعودة الإسلام إلى هذه الربوع من جديد ، إذن ما الذي جعلك تغّيرين رأيك بهذه السرعة ؟ هل هو حنينك إلى أمك ؟ أم أنّه ذلك السائق الأحمق ؟ أم إرادة القدر ؟ لا أريد جواباً ، أنني ما أزال احترم صمتك ، وعندما قرّرت العودة رغم أنّه لم يمّر على وصولنا الأندلس سوى أيّام فقط ! ارتديت ملابس بيضاء لأنك ما تزالين عروساً ؟ غير أننّي قررّت مرافقتك في طريق العودة ، وبذلك جهوداً جبّارة لكي نستقّل الطائرة معاً . وحلقت البوينغ مثل طائر أسطوري ، كنت متعباً من فرط الهّم ، فرحت أغطّ في إغفائة عميقة ، وعندما وصلت بحثت عنك في أرض المطار ، ولكن دون جدوى . استنكرت ، سألت ، صرخت ، قالت : لقد تخلفت عن المجيء في " زوريخ" !!! دون مسوّغ مقنع . وانتظرت عودتك في طائرة أخرى كما أخبروني و استقبلتك بملابسك البيضاء ، بياض ثلوج القمم ، كنت تشبهين حمامة غريبة وكان صمتّك أبلغ من كل الأحاديث التي سمعتها في حياتي .. وتوجّهت فور وصولك إلى أمّك غير آبهة بي . كان هدفك الوصول إليها ، أشبه ما تكونين بعصفور شريد أضناه السفر ، فكان كلّ همّه الوصول إلى عشّه قبل أن تغيب الشمس . انسابت دمعة يتيمة وسقطت فوق التراب كقطرة مطر بائسة ، سمع خطوات تقترب منه ، رفع رأسه وحدّق في العجوز الغريب الذي انتصب أمامه كقدر صارم ، كان ينوء بحمل خامة بيضاء وضعها ببطء فوق التراب ليمنعه من التحدّث إليها ، امتّدت الرخامة أمامه كتابوت من الثلج ... حدّق في النقوش السوداء المحفورة على الرخامة وتمتم وهو يقرأ بحزن وهو غير مصّدق : - هذا قبر المؤمنة المسافرة ... التي وافاها الأجل في حادث سيّارة . قرأ الفاتحة ، وشعر بأنّه يقرؤها على نفسه أيضاً ، وغادر المقبرة وحيداً .
للكاتب : كمال السيد ... من كتابه : دنيا الفتيات
|
|
|